الشهيد محمود الهاشمي … قائد ركب الشهادة

وفاءً للفقيد وروحه الطاهرة .. جمعنا الصفحات المتناثرة من سيرة الشهيد محمود الهاشمي ، ورتبنا المعلومات ما وسعنا الجهد والوقت ، ومسكنا القلم لنرسم صورة للرجل وسيرته .. فكانت هذه الأسطر البسيطة المتواضعة ..
جذور وتأثير
وسط تلك العائلة الشريفة التي يتصل نسبها بالرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم ، أبصر الشهيد محمود احمد بكر الهاشمي النور ، وفي شوارع وأزقة البارودية ببغداد نشأ ، فنال من شرف النسب وطيب العائلة والوسط النقي الشيء الكثير ، إذ زرعت في نفسه معاني الإباء والتدين وحسن الخلق ، وكان العامل الأكبر الذي زاد من تأثير تلك العوامل وجود أشقاء ثلاثة مبدعين باذلين هم كل من ( طارق وعامر وميسون الهاشمي ) فتعلق من صغره بهم بشدة وتأثر بما حملوه من صفات ومؤهلات فكان امتداداً لهم ، في وقت ترك الأستاذ طارق الهاشمي أخوه الأكبر عظيم الأثر في نفسه فكان مثله الأعلى ونموذج الاقتداء في التوجهات والتصرفات والأعمال .
انتماء أصيل
وما أن بلغ الشاب محمود الهاشمي مبلغ الشباب حتى تفجرت به عوامل التأثير تلك ، فأحس بانتمائه الأصيل إلى أمته ودينها القيم ، ولما تلفت حوله يميناً وشمالاً لم يرى غير الحركة الإسلامية ملاذاً له يحميه من تأثير دعوات الشرق والغرب ، وميداناً يخدم فيه أمته ويعزز انتماء أهلها بالرسالة الربانية التي منحتها عزها ومجدها .
ولذلك قرر بعزيمة وتصميم وهو في السابعة عشر من عمره الانتماء إلى الحركة فأصبح منذ ذاك جندياً مخلصاً من جنود الدعوة ، وواحداً من أتباع الحركة المخلصين الذين يقدمون الغالي والنفيس من اجلها ، ولا يتوانون عن البذل والعطاء مهما كانت التحديات والعوائق والعقبات التي يواجهون.
وكان جامع العساف موطنه الحقيقي ، ففيه التزم ، وعلى أرضه سجدت جبهته صغيراً وشاباً ورجلاً ، جندياً وقائداً ، ومن محرابه انطلقت جنازته ليسجى في روضة الشهداء بمسجد الإمام الأعظم .
خلف .. وسلف
وتواصل فقيدنا في نشاطه دون كلل أو ملل ، يقدم واجبات الدعوة على أموره الشخصية ، يحمل هم الأمة في قلبه وصدره ، يرفع للحق راية في كل حين ووقت ، وحين تمر بالأمة محنة لا يستكين فتراه يلتزم الجماعة ويعتصم بكتاب الله الذي حفظ الكثير من سوره ويلتجأ إلى محضنه من إخوانه ، وحين يرتقى احدهم شهيداً يواصل الركب المسير دون توقف ، ولذلك فحين فاز الشهيد عامر عبد الجبار زعين مسؤول شعبة راغبة خاتون بالشهادة خلفه محمود الهاشمي في مهامه فكان خير خلف لخير سلف ..وتواصلت الدعوة ولم تتوقف بهمة الهاشمي وجهده المتواصل .
صفات الشهيد .. خطوط عريضة
جمعنا أحبة الشهيد وسألناهم .. كيف كان محمود الهاشمي ؟ فرسمت إجاباتهم ملامح للرجل لو تخيلها كل واحد منا لوجده هو الفارس الكبير والقائد المتميز والداعية الهمام .. ولنتوقف قليلاً عند هذه الكلمات ..
• محمود الهاشمي رجل متواضع ذو خلق رفيع ، يخفض الجناح لكل من حوله ..
• يمتاز بهدوء عجيب حتى لينجح كثيراً في امتصاص غضب المقابل بخلقه العالي وبشاشة وجهه وكلامه الطيب ..
• هو الداعية النشط في زمن النظام السابق فكان رائداً في منطقته بإقامة الدورات القرآنية والنشاطات المتنوعة في مساجدها …
• هو المرابط في سبيل الله … رفض أن يخرج من العراق رغم كل الإغراءات وآثر البقاء وجني حسنات المرابطة والبذل والفداء ..
• هو الجندي المجهول الذي يعمل خلف الكواليس .. فتراه في أوج سعادته حين يرى ثمار عمله دون أن يذكروه بالاسم .. فيكفيه أن تعز الدعوة وتنجح مساعي إخوته ..
• هو الذي يسعى في نجدة إخوانه وحماية أبناء منطقته ..
• هو الحاج الذي تعلقت روحه ببيت الله الحرام وظل شوقه يربطه بذاك المكان الطاهر الذي حج إليه مرتين ..
• هو الجار الذي يراعى حق جيرانه .. ويسعى في خدمتهم وقضاء حوائجهم ..
• ويكفيه فخراً أنه … محمود الهاشمي .
رب عائلة متميز
وجلس الأولاد والبنات كذلك تحت سقف بيتهم الذي طالما جلسوا فيها مع الشهيد يستذكرون والدهم .. فأجمعوا على قلبه الحنون وتعامله اللطيف معهم حتى ليسمع لكل واحد منهم باهتمام ويصغي إلى ما يريدونه ، وحتى حين يرفض لهم طلباً يرفضه بكل هدوء ورقة وإقناع ..
وتذكروا كيف كان يعتز ويفتخر بنسبه طول حياته حتى لتنتشي روحه حين ينادى بالـ ( السيد ) ويوصي أولاده كل حين أن لا ينسوا أصلهم الطاهر وانتسابهم إلى أشرف خلق الله وأن تكون أفعالهم بيضاء نقية بنصاعة هذا الانتساب وطهارته.
وحرص الشهيد أكثر ما حرص أن ينمي انتماء عائلته الإسلامي فتراه يهتم بصلتهم بكتاب الله وارتياد المساجد ، ولم يكتفي بهذا وحسب وإنما جعل لهم موعداً يجتمعون فيه معهم في حلقة إسلامية تربوية تعليمية يذكرون فيها حديثاً نبوياً أو آية قرآنية أو مأثرة من سيرة النبي الكريم صلى الله تعالى وسلم ..
ولو سألتهم ماذا تقولون فيه بكلمة أو كلمتين لقالوا ..هو الذي كان يملئ علينا الدنيا كلها وغيابه خسارة كبيرة وهو لا يعوض .. والألسن تلهج بالدعاء له ليل نهار بالرحمة والمغفرة والفوز بالجنان ..
موعد مع الشهادة ..
على الرغم من كل تلك الصفات فإن الشهيد محمود الهاشمي كان رجلاً بسيطاً يعمل في محله في منطقة السنك من اجل توفير قوت أهله وعائلته ..
وعلى الرغم من ذلك أبى أعداء العراق والإسلام إلا وأن يستهدفوه .. لأنهم رأوا فيه أنموذجاً إسلامياً يتأثر به العشرات ممن تعامل معه أو رآه ..
وكان الموعد مع الشهادة التي تمناها الفقيد طويلاً في ظهيرة يوم 13 / 4 / 2006 وفي الساعة الواحدة والنصف ظهراً .. وعند عودته من محل عمله ، حيث كان المجرمون ينتظرونه بأسلحتهم وحقدهم ففتحوا عليه النار بكثافة ، وعلى الرغم من مقاومته البطولية إلا أن قدر الله كان هو الغالب فأصيب الشهيد محمود الهاشمي في رأسه إصابة بالغة استشهد من جرائها على الفور هو ورفيقه الذي كان معه .. تقبله الله مع الشهداء والنبيين والصديقين .
لوحة ختامية ..
المكان : جامع العساف ..
الوقت : ظهر يوم الجمعة 14 / 4 / 2008
الحضور : عشرات المحبين …
المناسبة : تشييع جثمان الشهيد الحبيب محمود الهاشمي ..
وأديت الصلاة على الجنازة وحمل النعش .. وانطلقت الأصوات مكبرة .. وذرفت العيون دموعها الحارة الغزيرة ..وحط الركب في مقبرة روضة الشهداء بجامع الإمام الأعظم .. ووري الجثمان الثرى .. وكان عرساً عاهد فيه المشيعون أخاهم الذي رحل عنهم باكراً أنهم ماضون في طريقه .. كما علمهم وعهدهم .. لا يوقفهم مجرم حقود ..ولا تثنيهم جماعة ضالة مهما كان عنوانها ..وأهزوجتهم ونشيدهم الدائم :
الله اكبر ولله الحمد والمنة .
للاطلاع على كامل الملف الخاص بالشهيد محمود الهاشمي:
Filed under: ملفات خاصة