في بيت صغير من محلة البارودي من عام 1944 أبصرت ميسون احمد بكر الهاشمي النور لتبدأ مشوارها في الحياة بين أحضان عائلة كان لها تاريخها في البناء السياسي للعراق منذ تأسيسه عام 1921. فلقد رضعت لبان العراقة ورثته كابرا عن كابر في عائلة برز منها وزراء ورؤساء وزارات ومناصب مرموقة في الدولة ، ومنهم المرحوم ياسين الهاشمي رئيس الوزراء العراقي في الثلاثينيات من القرن العشرين والمرحوم طه الهاشمي وزير الدفاع المخضرم لفترات متعاقبة ورئيس الوزراء العراقي لعام 1941. فلم يكن البذل والعطاء طارئا على حياة ميسون الهاشمي رحمها الله..
لقد كُتِب لتلك المسيرة الطويلة من العطاء ان تنتقل الشهيدة بين مؤسسات عديدة بعد ان تخرجت من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة بغدادعام 1970 ، لتكون اولى محاطاتها معمل ادوية سامراء ، ثم تنقلت الى وظائف في وزارات عدة تدرجت خلالها في سلّم الرقي لتميزها بالعطاء جمعت خلالها عشرات كتب الشكر والشهادات التقديرية لتنهي مسيرتها المليئة بالعطاء في المديرية العامة للتنمية الصناعية وبعد أن كانت تشغل مدير قسم الرقابة الداخلية في المديرية أحيلت على التقاعد بتاريخ 1996 ، لتنهي بذلك مشوارا دام أكثر من 27 عاما في دوائر الدولة العراقية.
غير أن مشوارها الدعوي لم يتوقف عند هذا الحد … وإنما كانت الشهيدة في أوج عطائها الدعوي في تسعينات القرن الماضي فمنذ إنضمامها إلى الحركة الإسلامية في العراق في ريعان شبابها فأعطت الكثير من نماذج التضحية والثبات على المنهج بدءا من ثباتها على الرداء والحجاب الإسلامي في المرحلة الجامعية في وقت عجّت فيه الفتن .. فباتت الوحيدة في دفعتها الدراسية وهي بذلك أعطت الإنموذج الراقي للثبات على المبادئ على الرغم مما كان يجتاح الشارع آنذاك من هجمة شيوعية وعلمانية شرسة على كل ما هو إسلامي
كانت الشهيدة ميسون الهاشمي ثابتة بفخر وإعتزاز بمنهجها القرآني … وردائها الملتزم … رغم كل الضغوط… لتستمرالشهيدة بعد ذلك في مشوارها الدعوي بأدبها الجم وأسلوبها الرفيق الحاني … والخالي من التعصب والتشدد إستقطبت العديد من معارفها وزميلاتها في الدراسة والوظيفة … إلى جادة العمل الإسلامي … فأنشأت الداعيات والمربيات وأعادة صياغة النظرة الخاطئة الى المرأة والتي راجت في سبعينات القرن الماضي على يد دعاة التحرر من القيم والأعراف العربية والإسلامية الرصينة
وفي مرحلة الثمانينات وما بعدها .. تعرضت الحاجة الشهيدة ميسون الهاشمي كما تعرض إخوانها وأخواتها في الحركة الإسلامية إلى العديد من الضغوط إبان فترة الملاحقات والقمع …فكانت أيضا عنوانا للثبات والتثبيت لها ولأخواتها …
وبعد أن أحيلت الشهيدة ميسون الهاشمي إلى التقاعد … عام 1996 تفرغت للعمل الإسلامي بشكل كبير … فكرست جهدها بالكامل لتعليم أخواتها وتنظيمهن … وإعداد جيل جديد من الداعيات المربيات عبر الدورات القرآنية والمحاضرت في المساجد القريبة
بعد سقوط نظام صدام … كانت الشهيدة ميسون الهاشمي رحمها الله … من السباقات لإنشاء مكتب المرأة في الحزب الإسلامي العراقي مع عدد من أخواتها اللواتي يشاطرونها الفكر والإخلاص للقضية …ولم يتغير هذا الإخلاص أو يفتر بعد تولي شقيقها الأستاذ طارق الهاشمي منصب نائب رئيس الجمهورية في العراق .. وإنما على العكس .. زاد ذلك من إصرارها على المواصلة والعطاء فليست ميسون الهاشمي من تجلس في مكتبها على الهواء البارد … فيما تخرج الأخريات إلى الميدان, وإنما كانت السباقة إلى الخروج والعمل الميداني والدعوة إلى المنهج وتنظيم العمل النسوي في عموم بغداد. على الرغم من كل الإضطراب الأمني الذي يعم بغداد آنذاك من مليشيات وفرق للموت … تأمل أن تنال من هذا المشروع الرباني , أو أن تؤذي رموزه وشخوصه
نالت الشهيدة ميسون الهاشمي ثمرة كفاحها وعملها الدعوي طوال عقود … حين تجرأت ثلة مجرمة على إغتيالها في السابع والعشرين من نيسان عام 2006 … وذلك في منطقة السيدية غربي بغداد أمام أنظار رجال الأمن والحرس الوطني الذين لم يحركوا ساكنا ووقفوا موقف المتفرج … على جريمة يندى لها جبين كل غيور … أن تقتل إمرأة جاوزت الستين من العمر بدم بارد أمام أنظارهم وترمى سيارتها بوابل من الرصاص من كل جانب وهم بلا حراك … كأنهم هم الموتى وهي من بقيت على قيد الحياة … حياة ليست كحياتنا … وإنما وعدها بها الله عز وجل (بل أحياء عند ربهم يرزقون)
نالت ميسون الهاشمي الجائزة التي لطالما حلمت بها وحدثت بها أولادها وأخواتها, نالت اللحاق بشقيقها الصغير محمود الهاشمي رحمه الله … الذي إغتالته أيادي الغدر قبلها بأيام, لتحظى هي أيضا بذات المصير المُشرّف …
فهنيئا … لميسون الهاشمي .. وهنيئا لعائلة الهاشمي في كل مكان هذا الفخر والمجد في الحياة والنعيم والرضوان من الله بعد الممات
وداعـاً يا أحبائي هـا قد تـــركتم جرحاً عميقاً وصفحةًً لن تنطوي
أقولها وسأقولها دومــاً الا للــــه والى اللــــــــه مرجعكم ومرجعـــي
هو حسـبي ووكيلي , إيـاه أدعـــــو أن يــرد كيد مــــن عادانــــــا بنحرهِ
فيا سماء الي فاستمعي…..

الشهيد عامر الهاشمي ، طارق الهاشمي ، الشهيد محمود الهاشمي ، الشهيدة ميسون الهاشمي
مجاهد بين ثلاثة شهداء
من موقع الهاشمي
Filed under: ملفات خاصة